كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}:
قال تعالى: {مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا} مهموزة من مَلأْتُ وانتصب {ذَهَبا} كما تقول: لِي مثلُكَ رَجُلًا أي: لي مثلك من الرجال، وذلك لأنك شغلت الإضافة بالاسم الذي دون الذهب وهو الأرض ثم جاء الذهب وهو غيرها فانتصب كما ينتصب المفعول إذا جاء من بعد الفاعل، وهكذا تفسير الحال، لأنك إذا قلت: جاء عبدُ الله راكبًا فقد شغلت الفعل بـعبد الله وليس راكب من صفته لأن هذا نكرة وهذا معرفة. وإنما جئت به لتجعله اسما للحال التي جاء فيها. فهكذا تفسيره، وتفسير هذا أحسنُ منكَ وَجْهًا، لأن الوجه غير الكاف التي وقعت عليها مِنْ وأحسنُ في اللفظ انما هو الذي تفضله فـالوجهُ غير ذينك في اللفظ فلما جاء بعدهما وهو غيرهما انتصب انتصاب المفعول به بعد الفاعل.
{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِّبَنِي إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}:
قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِّبَنِي إسرائيل} لأنه يقال: هذا حَلالٌ و: هذا حِلٌّ، وهذا حَرام وهذا حِرْمٌ ويقال {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} ويقال: {وحِرْمٌ على قرية} وتقول: حِرْمٌ عَليّكُم ذاك ولو قال: {وحُرْمٌ على قريةٍ} كان جائزا ولو قال: {وحَرْمٌ على قريةٍ} كان جائزًا أيضا.
{قُلْ صَدَقَ الله فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}:
قال الله: {فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} نصب على الحال.
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}:
قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} فهذا خبر إنَّ.
ثم قال: {مُبارَكًا} لأنه قد استغنى عن الخبر، وصار {مُبارَكًا} نصبا على الحال.
{وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ} في موضع نصب عطف عليه. والحال في القرآن كثير ولا يكون إلا في موضع استغناء.
{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}: قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} فرفع {مَّقَامُ إِبْراهِيمَ} لأنه يقول: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} منها {مَّقَامُ إِبْراهِيمَ} على الإِضمار.
{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: قال الله تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} على التفسير بقطع الكلام عند قوله: {اذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} ثم فسر آية التأليف بين قلوبهم وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف كما تقول أسمك الحائِطَ أَنْ يَميل.
{وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ} فـالشَّفا متصور مثل القَفا وتثنيته بالواو تقول: شَفَوانِ لأنه لا يكون فيه الامالة، فلما لم تجيء فيه الإِمالة عرفت أنه من الواو.
{وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}:
قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} و{أُمَّةٌ} في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال: {يَدْعُونَ} وفي {وَلْتَكُنْ} جزم السلام بعضهم أيضا.
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}.
أما قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} على فيُقالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُم. مثل قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ} وهذا في القرآن كثير.
{وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأُمُورُ}:
قال عز وجل: {وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأُمُورُ} فثنى الاسم واظهره، وهذا مثل أمَّا زَيْدٌ فقد ذَهَبَ زَيْدٌ. قال الشاعر: [من الخفيف]
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ** نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا

فأَظْهَرَ في موضع الاضمار.
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}:
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} يُريدُ أَهْلَ أُمَّةٍ لأنَّ الأُمَّةَ الطريقة. والأمَّة أيضا لُغة. قال النابغة: [من الطويل]
حَلفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ** وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طائِعُ

{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}: قال: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} استثناء يخرج من أول الكلام. وهو كما روى يونس عن بعض العرب أنه قال: ما أَشْتَكِي شيئًا إلاَّ خَيْرًا. ومثلُه {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا (24) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلك بأنهمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} قال: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله} فهذا مثل {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذَى} استثناء خارج من أول الكلام في معنى لكنّ وليس بأشد من قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا}.
{لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}:
قال: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} لأنه قد ذكرهم ثم فسره فقال: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله} ولم يقل وَأُمَّةٌ على خلافِ هذهِ الأُمَّةِ لأنه قد ذكر كل هذا قبل. وقال تعالى: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} فهذا قد دل على أمة خلاف هذه.
قال تعالى: {آنَاءَ اللَّيْلِ} وواحد الآناءِ مقصور إنَى فاعلم وقال بعضهم: إِنْي كما ترى وإنْوٌ وهو ساعاتُ اللَيْل. قال الشاعر: [من البسيط]
السَّالِكُ الثَّغْرَ مَخْشِيًّا مَوارِدُهُ ** فِي كُلِّ إنيٍ قَضاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ

قال: وَسِمْعُته يَخْتَعِلُ.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}:
قال تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} لأنها من ألَوْتُ وما آلُو أَلْوًا.
وقال تعالى: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} يقول: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} {وَدُّواْ} أي: أحَبُّوا {مَا عَنِتُّمْ} جعله من صفة البِطانةَ، جعل {مَا عَنِتُّمْ} في موضع العَنَتِ.
{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}:
قال: {لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ} لأنه من ضار يَضِير وضِرْتُه خفيفة فَأَنَا أَضِيرُه، قال بعضهم {لا يضُرُّكُمْ} جعله من ضَرَّ يَضُرُّ وحرّك للسكون الذي قبله لأن الحرف الثقيل بمنزلة حرفين الأول منهما ساكن. وقال بعضهم {لا يَضُرْكم} جعلها من ضار يضُور وهي لغة.
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}:
قال تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ} لأنها من بَوَّأت وإذ هاهنا إنَّما خَبَرُها في المعنى كما فسرت لك.
{بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذايُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}:
قال: {بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسِوِّمِينَ} لأنهم سَوَّمُوا الخيل. وقال بعضُهم {مُسَوَّمينَ} مُعَلِمينَ لأَنَّهُمْ هْم سُوِّمُوا وبها نقرأ.
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} على {لِيَقْطَعَ طَرَفًا} [127] عطفه على اللام.
{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}:
قال تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قال بعضهم {قُرْحٌ} مثل الضَعْف والضُعْف وتقول منه قَرِحَ يَقْرَح قَرْحا وهو قَرِح. وبعض العرب يقول قَرِيح مثل مَذِل ومَذِيل.
{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}:
قال تعالى: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} توكيدًا كما تقول: قَدْ رأيتُه والله بِعّيْني ورَأَيْتُهُ عِيانا.
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ}:
قال تعالى ولم يقل {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ} فيقطع الألف لأنه جواب المجازاة الذي وقعت عليه إِنْ وحرف الاستفهام قد وفع على إِنْ فلا يحتاج خبره إلى الاستفهام لأن خبرها مثل خبر الابتداء. الا ترى أنك تقول: أأَزَيْدٌ حَسَنٌ ولا تقول: أَزَيْدٌ أَحَسَنٌ وقال الله تعالى: {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} ولم يقل أَهُمُ اْلْخالِدُونَ لأنه جواب المجازاة.
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}: قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا} فقوله سبحانه: {كِتَابًا مُّؤَجَّلًا} توكيد، ونصبه على كَتَبَ الله ذلكَ كِتابًا مُؤَجَّلًا. وكذلك كل شيء في القرآن من قوله: {حَقّا} انما هو أُحِقُّ ذلِكَ حَقًّا. وكذلك {وَعْدَ الله} و{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} و{صُنْعَالله} و{كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} انما هو من صَنَعَ الله ذلكَ صُنْعًا فهذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا وهو كثير.
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}:
قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ} يجعل النبيّ هو الذي قُتِلَ وهو أحسنُ الوَجهين لأَنَّه قد قال: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ} [144] وقال بعضهم {قَاتَلَ مَعَهُ} وهي أكثر وبها نقرأ. لأَنَّهم كانوا يجعلون {قُتِلَ} على {رِبِّيُّون}. ونقول: فكيف نقول فكيف نقول: {فَمَا وَهَنُواْ} وقد قلنا انهم قد قتلوا فانه كما ذكرت لك أن القتل على النبي صلى الله عليه. وقوله: {رِبِّيُّونَ} يعني: الذين يعبدون الرب تعالى وواحدها رِبِّيّ.
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: قال تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} وقال: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ} وقال: {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} فـ {أَنْ قَالُواْ} هو الاسم الذي يرفع بـ {وَكَانَ} لأن أَنْ الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم تقول: أعْجَبَنِي أَنْ قالوا وإنْ شئت رفعت أول هذا كله وجعلت الآخر في موضع نصب على خبر كان. قال الشاعر: [من الطويل]
لَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ ما كانَ دَاءَها ** بِثَهْلانَ إلاَّ الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُها

وان شئت ما كانَ داؤُها الا الخِزْيَ.
{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}:
قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ} لأنك تقول: أَصْعَد أي: مَضَى وَسارَ وأَصْعَدَ الوُادي أي: انْحدر فيه. وأما صَعِدَ فانه: ارتقى.
وقال: {فَأَثَابَكُمْ غُمًّا بِغَمٍّ} أي: عَلى غَمٍّ. كما قال: {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ومعناه على جذوع النخل وكما قال: ضَرَبَني فِي السيفِ يريد بِالسيف وتقول: نزلت في أبيك أي: على أَبيك.
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}:
قال تعالى: {إِنَّ الأمر كُلُّهُ للَّهِ} إذا جعلت كُلًا اسما كقولك: إنَّ الأمر بَعْضُهُ لِزَيْدٍ وان جعلته صفة نصبت. وان شئت نصبت على البدل، لأنك لو قلت إنَّ الأمر بَعْضَهُ لِزَيْدٍ لجاز على البدل، والصفة لا تكون في بَعْض. قال الشاعر: [من الكامل]
إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَواحُها ** تَركا فَزارَةَ مثلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ

فابتدأ الغُدُوّ والرواحَ وجعل الفعل لهما. وقد نصب بعضهم غُدُوَّها وَرَواحَا وقال: تركتْ هَوازِنَ فجعل التركَ للسيوف وجعل الغدوَّ والرواح تابعا لها كالصفة حتى صار بمنزلة كلّهَا. وتقول: {إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ} على التوكيد اجود وبه نقرأ.
وقال تعالى: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} وقد قال بعضهم {القِتالُ} و{القَتْلُ} أصوب فيما نرى، وقال بَعْضُهُم {إلى قِتالِهِم} و{القَتْلُ} أصوبهما إن شاء الله لأنه قال: {إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}.
وقال: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ}: أيْ: كَيْ يَبْتَلِيَ الله.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَالله يُحْيِي وَيُمِيتُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}:
قال تعالى: {أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} وواحد الغُزَّى غاز مثل شاهِد وشُهَّد.
{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}:
قال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ} الآية. فان قيل كيف يكون {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله} جواب ذلك الأول؟ فكأنه حين قال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ} تذكر لهم مغفرة ورحمة اذ كان ذلك في السبيل فقال: {لَمَغْفِرَةٌ} يقول: لَتِلْكَ المغفرة {خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ}.
{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ}: قال: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} وان شئت قلت {قُتِّلْتُمْ}.
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}:
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله} يقول: فَبِرَحْمَةٍ وما زائدة.
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} وقال بعضهم {يُغَلُّ} وكلٌّ صواب والله أعلم لأنَّ المعنى أَنْ يَخُون أوْ يُخانَ.